الجبس التقليدي : صناعته و استخداماته


دراسة للدكتور محمد الجزيراوي * 

ساهمت الظروف الطبيعية بمنطقة نفزاوة الواقعة بالجنوب الغربي التونسي اضافة لنمط عيش السكان في تبني تخطيط للمسكن التقليدي يستجيب لمتطلبات ذلك النمط، وقد ساعد تنوع مواد البناء المحلية وقدرة الأهالي على تطويعها على هذا الأمر. ويلعلب الجبس من بينها دورا مهما لاسيما في عملية الانشاء، لذلك سنحاول في هذه الورقات تقديم وصف لهذه المادة محاولين تحقيق الإضافة المعرفية والتطبيقية، وتتأكد أهمية هذا التوجه الذي حددناه لأنفسنا مع تزايد وتيرة التحديات التي تواجه موروثنا الشعبي عامة والثقافة المحلية، خاصة مع تزايد ضغوطات العولمة والتحولات السياسية.
لقد عادت مختلف الشعوب لدراسة موروثها الشعبي، قصد البحث عن حلول لمشاكلها الراهنة، وتعتبر الاستفادة من المواد المحلية قاعدة عامة بالنسبة لمواد البناء في العمارة التقليدية في أي مكان من العالم(1). من هذا المنطلق سنعمل تثمين الثروة المعرفية فيما يتعلق بتقنيات صناعة الجبس ومختلف استخداماته التقليدية والتعريف بها(2)، فربما تساهم هذه الدراسة في مستقبل التنمية وتشجع على الاستثمار. كما سنهتم ببعض المهارات المحلية المتصلة بهذه الحرفة التي أثبتت جدواها من خلال استمراريتها. كما سنعمل على تثبيت المصطلحات الشعبية المحلية في هذا المستوى للمحافظة عليها والتأكيد على ثراء وتنوع المعجم اللغوي المحلي والتصاقه باللغة العربية الفصحى مع بعض الروافد من اللهجات المحلية المجاورة  والبعيدة.
يُمكن تصنيف الجبس التقليدي كعنصر ضمن مجموعة المواد الترابية اللينة التي من بينها التربة والرمال، اضافة لمجموعة المواد الترابية الصلبة ومنها الحجارة بمختلف أصناها اضافة لمجموعة المواد النباتية والتي تحتل فيها أجزاء النخلة مرتبة الريادة.
يطلق أهالي المنطقة على الجبس الذي يصنعونه بطرق مختلفة اسم الزِّبِسْ ومن أهم هذه الطرق يمكن ذكر: المردومة والكوشة والحفرة والمناصب إضافة إلى الرمال المحروقة تحت أواني الطبخ. يكتسب الجبس أهمية بالغة وقيمة ثابتة اذ يستخدم في العناصر الإنشائية وبناء الخوابي(2) إلى حد أنها من بين المواد التي يتم خزنها(3).

1/1- جبس الكُوشَةْ و الْمَرْدُومَةْ(4): المردومة والكوشة طريقتان متشابهتان تُستعملان عادة عند الحاجة لكمية كبيرة من الجبس، والفرق بينهما يكمن في كون المردومة يتم خلالها إعداد الجبس فوق سطح الأرض، بينما يُحفر للكوشة (الصورة عدد1) حفرة قد يتجاوز عمقها المتر. يستعمل الأهالي التقنية نفسها في الطريقتين، ومراحلها كالتالي:

أ- المرحلة الأول: وضع كمية من حطب النخيل والأشجار على ارتفاع 0،50 م في شكل دائري عادة ما يتجاوز قطره 2 م وارتفاعه 0،50 م أو يزيد بقليل، وتُسمى كُرْسِي. 

ب- المرحلة الثانية: وضع الطوب فوق الحطب في شكل هرمي مع الإبقاء على منفذين اثنين، يسمى كل منهما مَنْفَسْ، يدخل من أحدهما الهواء ويخرج من الثاني الدخان بحسب اتجاه الرياح. يرتب الطوب بحيث يُوضع الأكبر حجما من الأسفل ثم الأصغر فالأصغر.

ج- المرحلة الثالثة: ردم الهرم بطبقة صغيرة من التراب ورشها بالماء، ثم إشعال النار في الحطب، وتدوم عملية حرق الطوب أياما معدودة(الشكل عدد 1).

بعد خمود النار يقع إزالة الأتربة ودك الطوب المحروق بهراوة غليظة ليصبح جبسا صالحا للاستعمال(6).

 يجب الإشارة إلى أن هذه التقنية تُسمَّى في مناطق أخرى باسم فُرْنِ الزِّبِسْ(7). يمكن للفرن أو الكوشة أن يكونا مباشرة بجانب المقطع ثم يُنقل الجبس فيما بعد، كما يضطر بعضهم إلى نقل الطوب وصنع الجبس بجانب موقع البناء مباشرة.  


الشكل عدد 1: رسم تفصيلي لمردومة جبس محلي



الصورة عدد1: فرن جبس


2/1- جبس الحفرة: تُستعمل هذه الطريقة بكثرة في قرى الـﭭليعة وجزيرة الوحيشي والمنصورة وهي عبارة عن حفرة في عرق رمال متكلسة، على عمق لا يتجاوز 2 م وقطر لا يتعدى 1،50 م في أقصى الحالات(8)(الشكل عدد 2).

 تُوضع في تلك الحفرة كمية من الحطب وتشعل فيها النار، وعندما تهدأ النار وينتهي لهيبها يتم إدخال جريدة نخلة خضراء إلى الحفرة وحك جدرانها الداخلية المحترقة فتسقط حبيبات الجبس في القاع(الصورة عدد2). 

يتم إعادة إشعال النار عدّة مرّات وتُكرر نفس العملية إلى أن تمتلئ الحفرة بالرمال المحروقة التي تستخرج بعد أيام وتوضع في أكياس وقد تحولت جبسا رمادي اللون.


الشكل عدد 2 : رسم بياني لمراحل حرق الزبس عن طريق الحفرة



الصورة عدد2: امرأة بصدد حرق الزبس


3/1 - جبس رمال الطبخ والمناصب: تستعمل المرأة الحطب لطهي طعامها، إذ تضع القدر على ثلاث ركائز من الطوب في شكل مثلث تسمى الواحدة منها مَنْصَبَة وجمعها مَنَاصِبْ، وهي الأثافي(الصورة عدد 3) وبين الواحدة والأخرى مسافة لا تتجاوز 30 سم، وتُوضع بينها كميّة من الرمال. يُوضع الحطب تحت القدر وفوق الرمال. بعد طبخ عدة وجبات تصبح المناصب جاهزة للدَكَّ والطحن باستخدام عصا غليظة.  


الصورة عدد 3: المناصب


 يتطلب صنع الجبس معارف ومهارات كبرى، ويقوم به عادة صاحب أو صاحبة المسكن بوسائلهم الخاصة وحتى شراؤه لا يتطلب أموالا باهظة. يتميز الجبس بمجموعة من الخصائص أهمها قدرته على تحمل الضغوطات المناخية بالجهة كالحرارة الشديدة صيفا والبرودة القاسية شتاء، وهو طيع الاستعمال بعد خلطه بالماء.

2- استخدامات التقليدية للجبس: 

يستخدم الجبس في عدة تطبيقات إنشائية تقليدية أهمها كونه يمثل المادة الأساسية في صناعة قوالب بناء بعض أصناف الجدران، كما يوظف كملاط داخلي وخارجي في البناءات الخاصة والعمومية وكطبقة مهمة من طبثات البلاطات والأسطح.

1/2- جدار قالب الجبس: يُصنَع القالب بخلط الجبس بالماء ثم سكب الخليط داخل هيكل خشبي. يسحب هذا الأخير بعد حوالي دقيقتين ويُترك قالب الجبس يجف تحت أشعة الشمس. لا يوجد قياس ثابت لأبعاد الهيكل الخشبي الا أن الأكثر تداولا 0،30 م للطول 0،20 م للعرض و0،10 م للسُّمك. 

يُستعمل هذا الصنف من الجدران بصفة أساسية بكل من قريتي بشري وفطناسة وبصفة نادرة بقُرى أخرى مثل الـﭭـطعاية وبازمة(9)(الصورة عدد 4). 


الصورة عدد 4: قالب الجبس

بعد وضع أسس الجدران يشرع البناء في إنشاء جدران قالب الجبس، وتتعدد تقنيات ترتيب قوالب الجبس عند بناء الجدران، وأهمها:

أ- التقنية الأولى: أولا، توضع القوالب جنبا إلى جنب، في صفين متوازيين لا يفصل بينها سوى فراغ صغير لا يتجاوز عرضه 2 صم. ثانيا، تملأ الفراغات بعجينة الجبس للربط، ثالثا، توضع طبقة من الجبس فوق السطر كاملا. رابعا، تُنضد صفة ثانية فوق الأولى على أن يُبدَأ بوضع نصف قالب من كل طرفي الجدار كي يكون هناك تناوب وتشابك يدعم قوة الجدار، يتواصل البناء إلى بلوغ الارتفاع المطلوب(الشكل عدد 53).


الشكل عدد 53 : الواجهة الخارجية ثم مقطع ثم الواجهة الفوقية

ب- التقنية الثانية: ترتب القوالب في السطر الأول جنبا إلى جنب، في خط واحد بحيث يمثل طولها سُمْك الجدار، ثم يرتب السطر الذي يليه بشكل مغاير، إذ توضع في صفين متوازيين بالطريقة التي وُضعَت فيها في التقنية الأولى(الصورة عدد130). تُملأ الفراغات بعجينة الجبس، ويُوضع ملاط من نفس المادة، ويتواصل البناء بالتناوب(الشكل عدد 54).


الشكل عدد 54: الواجهة الخارجية ثم مقطع ثم الواجهة الفوقية 


الصورة عدد130:التقنية الثانية(1)


ج- التقنية الثالثة: يُوضع قالبان من الجبس، يمثل طولهما ثلثي سُمْك الجدار، ثم يرتب بجانبهما قالب يمثل عرضه الثلث الباقي من الجدار. تنعكس الوضعية في القوالب التالية التي تحتل موضعا بجانبهما حيث يوضع قالبان بجانب القالب الثاني وقالب فقط بجانب القالبين الأولين. تتواصل العملية بالتناوب حتى إنهاء الجدار(الشكل عدد 55).


الشكل عدد 55: الواجهة الخارجية ثم مقطع ثم الواجهة الفوقية

2/2- بقية استخدامات الجبس:

يستخدم الجبس كملاط ولكساء الأرضيات والسطوح وغبرها ذلك من العناصر المعمارية.

- ملاط الجبس: يستخدم الجبس، كما رأينا أعلاه، كملاط داخلي للربط بين مختلف مكونات جدار قوالب الجبس الا أنه يستخدم كمادة ربط في بقية أصناف الجدران لاسيما تلك التي توظف مواد بناء هشة مثل جدار الدبش(.) والطوب(.) وخاصة جدار قالب الطين(.).

كما يوظف كمادة ربطأساسية في الأعمدة والعقود بمختلف أنماطها 

 تلبس الجدران بطبقة من الجبس وتُسمَّى ليـﭭـة أو الاكتفاء بسد المنافذ بين الحجارة المهندمة من الداخل والخارج وتُسمَّى جونطة (.). وقد يتكفل صاحب أو زوجته بالقيام بهذه المهام الأخيرة باليدين وتعهدها بالصيانة السنوية(.). 

- تبليط الأرضيات، عادة ما تترك أرضية فناء المسكن ترابية ونادرا ما يتم تغطيتها بطبقة من الجبس، تعمل النسوة على ترميمها متى تطلب الأمر ذلك. في المقابل لا يتغافل سكان قرى نفزاوة عن تبليط أرضيات بقية وحدات المسكن بالجبس المحلي باستثناء فضاءات الخدمات.  يعتبر كساء الجدران وتبليط الأرضيات من المراحل الأساسية في بناء الجدران، لذلك يوليها البناء أهمية بالغة فيستخدم مواد ذات جودة وفاعلية، وهو ما دفع بهم لاستخدام الجبس لأداء هذه المهمة.

- طلاء السطوح:

القباب

 طبقات سنوية قبل موسم الأمطار عادة ما تتم في أوائل شهر سبتمبر في شكل عمل جماعي تتكفل به النساء كل مرة في مسكن احداهن، لذلك ترى السقف مكون من عدة طبقات من الجبس

بناء بعض الأثاث المكعماري مثل الخوابي والأهراء و الميضة والمحصال 

يستخدم لوضع بعض التشكيلات على الجدران والخوابي وكأطار لبعض المداخل لاسيما الدور الرئيسة للمسكن 

هناك صنف من الجبس يصبح أبيض بعد حرقه فيستعمل لتبييض المعالم الدينية

ضرورة أم اختيار : للضغط على تكاليف البناء باعتبار أن قالب الجبس أرخص من قالب الآجرأو لما يمنحه قالب الجبس للمناخ الداخلي للمسكن من حيث الدفء في الشتاء  و البرودة في الصيف 


يُفضَّل الجبس عن باقي المواد لاسيما عند الاستفادة منه كملاط في الجدران، في حين توظيفه في لياسة الجدران والسطوح والأرضيات تدفع بالأهالي لإعادة التِّزْبِيسْ مرة في السنة على الأقل في إطار عمل جماعي لأنه مادة سريعة التأثر بعوامل التعرية مثل الرياح وخاصة ذوبانه بفعل مياه الأمطار وتآكله بفعل عوامل الرشح الأرضي. رغم إيجابياته العديدة، فإن الجبس المحلي سريع التأثر ببعض العوامل الطبيعة خاصة الأمطار، مما يستدعي صيانته الموسمية، لذلك يُعد في كل مسكن مكان خاص بخزن كميات من الجبس، تُستعمل في الترميمات. 


ــــــــــــــــــــــــــــ
1) تصوير الباحث بتاريخ 6 جانفي 2009، قرية نـﭭـة.
2) لقد لخص لنا أحد الاخباريين في المنطقة تقنيات بناء الجدران المختلفة في الجملة التالية " "كِيفْ تِجِي تِبْنِي حِيَطْ تَلْقَاكْ مِضْطَرْ بَاشْ تِقِدَهْ عَلِ حِسَابْ لِحْجَرْ اِلْلِّي عِنْدَكْ، هَاوِينَهْ لُوكَانْ لِحْجَرْ مِ الجِبَلْ أَلْعُرِضْ مَا يِفُوتِشْ خَمْسِينْ صَانْتِي وِاِلْعِلُو قَدْ مَا تِحِبْ أَمَّ لُوكَانْ تِبْنِي بِالطُوبْ يَلِزْمَكْ تِعَرِّضْ أَكْثَرْ وِمَا تِهِزِشْ اِلْحِيَطْ لْفُوَقْ يَاسِرْ "، محادثة مع السيد عمر ﭭريرة، 80 سنة، بتاريخ 12 مارس 2010، قرية جزيرة الوحيشي.

ـــــــــــــــــــــ
1) يمثل قول المعماري العربي حسن فتحي" انْظُرْ تَحْتَ قَدَمَيْكَ وَأَبْنِ" من بين أهم الجمل المعبرة عن ذلك، وقد طرح في كتاباته هذه المسألة، أنظر: حسن فتحي ( محمد)، عمارة الفقراء، ترجمة الدكتور مصطفى فهمي، القاهرة، الجامعة الأمريكية، 1989.
2) أكد مارسال موس على ضرورة الاهتمام بأدق التفاصيل التي تتعلق بالتقنيات وعلاقتها بالمواد الأولية في الدراسات الميدانية التي تهتم بالمباني التقليدية، أنظر:  : Mauss, Manuel d'ethnographie…, op. cit., pp. 59-60
3) Boris, Documents…, op. cit., p. 157.
4) Rehouma (F),  Matériaux et techniques de construction du sud tunisien, thèse 3 ème cycle, ITAAU, Tunis, p. 72.
5) تستعمل نفس التقنيات في صنع الجبس وبنفس التسميات بعدد آخر من مناطق جنوب البلاد التونسية، بمطماطة، أنظر، بوخشيم، المعمار والتعمير، نفس المرجع، ص 388-339؛ وبتطاوين، أنظر: الثابتي، عمارة القصور بالجبل الأبيض، نفس المرجع، ص 27؛ وبقابس، أنظر: Bakloti ,Houch…, op. cit., p. 548، وما يميز قابس وجود أفران الجبس خارج مناطق العمران.
6) نفس المراحل في قرى واحات قفصة، أنظر: التليلي، قفصة والقرى الواحية المجاورة، نفس المرجع، ص 165.
7) Kiuoa (R.), Cout et qualité de la construction à Tataouine, thèse 3éme cycle en architecture, Session 1988, p. 33.  
8) بن مزهود، قرية بشري، نفس المرجع، ص 70.
9) بن مزهود، قرية بشري، نفس المرجع، ص 68.